رمضـان زمـان بــين الثلاثينات والخمسينات: الفــــداوي: حكايات وقصص مشوقــــة وتراث غنـــــــــــــي
تحدثنا في الحلقة الفارطة عن السهرات الرمضانية الرجالية والنسائية التي تقام في المنازل والدور الفخمة وعن الاجواء العامة لهذه السهرات والعادات التي حافظ عليها سكان المدينة العتيقة مدة طويلة من الزمن ولكن في النهاية اندثرت وبقيت مجرد ذكريات تعتمل في ذاكرة المسنين من الرجال والنساء الذين عاشوها ومنهم محدثنا وسارد تفاصيل هذه العادات الرمضانية المندثرة الباحث محمود زبيس الذي سيواصل من خلال هذه الحلقة الجديدة رواية تفاصيل احدى العادات الرمضانية التي كان لها وقع خاص في نفوس سكان مدينة تونس والتي اندثرت بدورها وبقيت مجرد ذكريات يرويها كل من عاشها بكل حنين وألم أحيانا.
محور حديثنا اليوم سيكون عن الفداوي او الحكواتي كما يسمى في الشرق او الحاجاي كما هو معروف في منطقة الشمال الغربي،ويقول السيد محمود زبيس في هذا الصدد: من الرجال من لا يفضل قضاء سهرته الرمضانية بالبيت فيهرع الى المقهى بمجرد انتهائه من تناول طعام الإفطار ليحصل على مقعد مميز يمكنه من متابعة الفداوي والاستماع الى حكاياته بشكل جيد.
وعندما يستقر كل واحد في مقعده ويأخذ المشروب المحبذ لديه يأتي الفداوي ويجلس على أريكة عالية تمكنه من الاشراف على كامل مساحة المقهى ويكون مجلسه وسط الناس في منتصف المقهى حتى يتمكن من إيصال صوته للجميع بشكل جيد.
وتشهد المقاهي التي يوجد بها الفداوي إقبالا كثيفا ويكون الاقبال على أشده في السهرات الرمضانية الشتوية باعتبار ان الليل خلال هذا الفصل يمتاز بالطول وبالتالي يجد رواد المقاهي الفرصة مواتية لإضاعة الوقت وتمضيته في أجواء جميلة ودافئة.
ومن المعروف آنذاك ان عددا محدودا من المقاهي هي التي يوجد بها الفداوي ومن هذه المقاهي أذكر مقهى باب الأقواس ومقهى الوصفان بالحلفاوين (مقهى الغرابة حاليا) ومقهى السطنبولي الموجودة بمدخل نهج حمام الرميمي ومقهى العنق ومقهى اللوح الموجودة بباب الجزيرة وتحديدا بمدخل نهج الصباغين.
ومن الممارسات التي ترتبط بوجود الفداوى بهذه المقاهي خلال السهرات الرمضانية ارتفاع سعر القهوة من 4 سوردي الى 5 سوردي ويأخذ الفداوي خمس مدخول المقهى في الليلة الواحدة.
ومن الحكايات والقصص التي كان يرويها الفداوي لرواد المقهى خلال الليالي الرمضانية حكاية عنترة ابن شداد وبوزيد الهلالي والجازية الهلالية وحكايات ألف ليلة وليلة والسندباد البري والبحري والظاهر بيبرس وغيرها من القصص المثيرة التي تنطوي أحداثها على المغامرات والتشويق.
ومن الطرق التي يعتمدها الفداوي لشد انتباه السامعين التكلم بصوت مرتفع والتفاعل مع الأحداث وإنهاء جزء او فصل من الحكاية بحدث مثير او بنتيجة أفضت اليها الأحداث دون الافصاح عنها حتى يدفع الساهرين الى القدوم الى المقهى في الليلة الموالية.
ومن المعروف ان الفداوي يجب ان يكون من المولعين بالمطالعة والمدمنين على القراءة حتى يستطيع التنويع في حكاياته وجلب رواد المقهى وهو مطالب بالاطلاع على الكتب التاريخية وتلك المتعلقة بالتراث العالمي والاطلاع على مختلف الثقافات العربية والاسلامية وخاصة المصرية والتركية وان يمتلك أسلوب القص والرواية والقدرة على جلب انتباه السامعين.
ومن الاساليب التي يعتمدها بعض الفداوي الضرب على الطاولة بـ «الخيزرانة» او برجله على المسطبة التي يجلس فوقها وبعضهم يضرب الطاولة بالسيف ليسبب الخوف والدهشة لدى السامعين ويحفزهم على متابعة الأحداث بكل شوق وتطلع لما ستؤول له الأحداث ومن الأساليب الأخرى التي يعتمدها الفداوي لشد المستمعين الطلب من الحاضرين ترديد بعض الكلمات التي تأتي على لسانه بكل القصة او الحكاية لمزيد إذكاء جذوة التفاعل بين المستمع والراوي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق