notre patrimoine enfantain

notre patrimoine enfantain
hajjaji youssef

السبت، 27 ديسمبر 2014

الحكاية الشعبية و دلالتها التربوية


إن العالم اليوم، و العالم العربي على الخصوص، يشهد هيمنة وسيطرة ثقافية للأنموذج الغربي، أو ما اصطلح على تسميته " بأمركة الثقافة" أو " العولمة الثقافية" وهذا يشكل خطرا يتهددنا في هويتنا وخصوصيتنا الحضارية، مما يدعونا وبإلحاح للإهتمام بموروثنا الثقافي، بل إن هذا المسعى هو رهان على الدولة وجل أفراد وجمعيات المجتمع المدني، فالموروث الثقافي هو الذي يحدد هويتنا ويعكس حضارتنا.

كما أننا وفي زمن تفشي تكنولوجيا المعلومات من فيديو وأنترنيت وفضائيات-التي أصبحت تأخذ حيزا كبيرا من وقت أطفالنا-أصبحنا نلمس لديهم عزوفا عن القراءة بكل مكوناتها، وبالعكس من ذلك إقبالهم المتزايد و المهووس على أفلام الفيديو و الأفلام الكارثونية المستوردة، و المتمثلة في شخصيات " سوبرمان" و" باثمان" و " الرجل العنكبوت... هذا الإهتمام المتزايد بهذه الشخصيات الخيالية، والتي لا تخضع لقوة القانون، والتي لا تمت لمجتمعاتنا العربية بصلة، انعكست سلبا على قيم وأخلاق أطفالنا وبالتالي على مستواهم الضعيف لغويا ومعرفيا.
لذلك فنحن مدعوون إلى تشجيع أطفالنا على المطالعة الحرة، وذلك بالعودة إلى موروثنا الثقافي للبحث و التنقيب فيه عن القصص التي بها قيمة إنسانية يتعلمها أطفالنا مثل قصص على بابا أو علاء الدين أو السندباد وغيرها و الدعوة إلى إدخالها ضمن الفضاء المدرسي كوسيلة تربوية.
يحاول بحثنا هذا مقاربة الدلالة التربوية للحكاية الشعبية باعتبارها أكثر المأثورات الشعبية أهمية في التربية، لكن قبل ذلك يحضرنا السؤال عن الحكاية الشعبية ما هي ؟
تعريف الحكاية الشعبية :
الحكاية الشعبية هي تلك الحكاية التي تناقلها الناس عن طريق الرواية الشفوية منذ القدم، ويلعب الخيال الشعبي دورا كبيرا في صياغتها، وفي تأطير بعض الأحداث التاريخية و الشخصيات بالمبالغة و الغرابة، وتأتي الحكاية الخرافية في الإطار نفسه، وإن تميزت عن الحكاية الشعبية بأن أبطالها هم من البشر أو الجن،بينما تقف الحكاية الشعبية عند حدود الحياة اليومية و الأمور الدنيوية العادية، فموضوعاتها تكاد تقتصر على مسائل العلاقات الإجتماعية، و الأسرية منها خاصة، فالعناصر القصصية التي تستخدمها الحكاية معروفة لنا جميعا، وذلك مثل : كيد النساء ومكرهن، وقسوة زوجة الأب على الطفلة المسكينة، التي تتدخل العناية الإلهية لإنقاذها، وغيرة الشقيقات في الأسرة من البنت الصغرى، التي تكون في العادة الأجمل و الأحب ...إلخ.
و الحكاية عادة تقدم قصة ذات بداية ونهاية،متكاملة، وتمتاز بالتماسك وقوة الحبك و البناء، وهي تمتد طويلا في الزمان، فتشغل حيزا كبيرا في المكان، فتتغير فيها المواضع، وتتبدل العهود، ولا تنتهي الحوادث حتى يستقر كل شيء،وتتحقق الاحتمالات والتوقعات كافة، وينال كل ذي حق حقه، بما يرضي الجميع، فيقال في الختام عن شخصيات الحكاية " وعاشوا في تبات ونبات، وأنجبوا البنين و البنات ..." وعلى الأغلب لا يحدد الزمان ولا المكان، فالزمان هو " قديم الزمان وسالف العصر والأوان.."و المكان هو " بلد من بلاد الله الواسعة" وقد يحددان تحديدا عاما.
مقاربة الدلالة التربوية للحكاية الشعبية :
إن اتجاه التربية العربية نحو التغريب و الإغتراب أدى إلى توسيع الصراع بين الأجيال،وانسلاخهم عن هويتهم وحضارتهم العربية العريقة. ومن هنا جاءت الدعوة للإهتمام بالموروث الشعبي وخاصة الحكاية باعتبارها مخزونا من المعتقدات و العادات و التقاليد، التي جرت مجرى الحياة، ولا زالت تتوارثها الأجيال وترويها.
فالحكاية الشعبية بصفة عامة، وتلك التي تقال على لسان الحيوان بصفة خاصة، تحمل في طياتها هدفا ومغزى، لذا يمكن استخدامها كوسيلة تربوية وتعليمية غير مباشرة للطفل في سن مبكرة، لأن الصغار يقبلون على هذه الحكايات ولا يملونها وذلك لارتباطها بشخصيات غير واقعية، تظل عناصرها محفورة في أذهانهم، تثير خيالهم، وتنعش أحاسيسهم فترهفها وتربي فيهم الدوق الأدبي و السلوك الإجتماعي السوي.
ونحن عندما نترجم القصص لأطفالنا، يجب أن لا نبتعد عما يحتاجونه، فنقدم قصصا بها قيمة إنسانية، و هو ما نجده في القصص الشعبي مثل : سندريلا، و الجميلة النائمة، وجميلة و الوحش، يقرأها الطفل بمثل التشويق الذي يقرأ به قصص ألف ليلة وليلة، أو كليلة ودمنة وغيرها من الأدب الإنساني الصالح لكل مكان وزمان.
كما أنه من حق كاتب الأطفال أن يعتبر الحكاية الشعبية مادة خام يعيد روايتها للأطفال بما يتلائم مع مقتضيات العصر وأصول التربية، وذلك بأن يراعي اهتماماتهم وبيئتهم، وقدراتهم على الفهم، ومن مقتضى هذا أيضا أن الحكاية الشعبية الواحدة يمكن أن نحكيها في صياغة مختلفة بما يناسب استعداد الأفراد في مختلف مراحل العمر لتقبلها و الإستفادة منها في تكوين شخصياتهم وممارسة حياتهم اليومية.
فالطفل يتلقى معارفه الأولى في البيت، حيث الجدة التي تملك مخزونا لا يكاد ينضب من هذه الحكايات،فتسرد عليه لتسليه، وإذا بها في الوقت نفسه تمده بمجموعة من القيم المستقرة في وعيها و التي هي رجع لوعي عام مستقر في مخيلة الجماعة، التي تعبر الجدة و الحكاية عنها.
إن عالم المستحيلات هو العالم المحبب لدى الطفل، فعندما تحول الساحرة البطل إلى حيوان أو طير ثم يدخل هذا الحيوان أو ذاك الطير في متاهات جغرافية بعيدا عن وطنه، فإنها بذلك تدغدغ عواطفه و أحاسيسه وطبعه الميال إلى البحث عن المجهول، لهذا كانت لقصص علاء الدين و السندباد وعلي بابا وقع خاص واستمرارية قي قلوب الأطفال،كما أنها تبقيهم في حالة مفاجأة ودهشة، فأحداثها متلاحقة ومتسلسلة ومليئة بالحركة.
كما أن الحكاية الشعبية تقدم أنواعا كثيرة من الشخصيات في غنى وتنوع كبيرين فهي تقدم الأب المغرور، و الأم العطوف وزوجة الأب الظالمة، والإبنة الوفية، والأخت المشفقة و الأخ الغادر و الصديق الوفي، و الجار الغني ... كما تقدم السلطان العادل الحاكم، و الوزير الذكي الماكر و النديم و الوفي المخلص.
إن الحكاية من خلال ذلك "تعكس صورة الطفل وأسرته وحياته، وتقدمها له جلية كأنها مرآة، فإن الأب في هذا هو الملك أو السلطان، و الأم هي الملكة في هذا العالم الصغير، كلاهما عاقل وعطوف وقوي، و الإبن هو الطفل نفسه وهو الأمير، والإبنة هي الأميرة ..."
إذا تعالج الحكايات صراعات في حياة الطفل بأسلوب رمزي أو مغطى وهو حين يتماثل مع أبطال الحكاية يتمكن من :
-التنفيس و التعبير عن نفسه و التحرر من مشاعر سلبية ضاغطة لا يسمح له بالتعبير عنها في واقعه الحياتي :
- تعزيز ملكة الخيال لديه
- بث الشعور بالتفاؤل و الأمل في الحياة، فالنهاية السعيد تطمئن الطفل بأنه سيتغلب حثما على ضعفه ومخاوفه.
- تعزيز القيم الإنسانية في نفس الطفل بأسلوب بعيد عن المباشرة و التلقينية،فحين ينتصر الطفل الخير على قوى الشرفي الحكاية، يطمئن الطفل السامع وتتعزز ثقته بانتصاره هو أيضا.
وأخيرا فإن الحكاية الشعبية تتميز برسالتها التعليمية التهذيبية، ومعظمها يحمل في ثناياه درسا أخلاقيا، وذلك مثل جزاء الخيانة وفضل الإحسان ومضار الحسد وما إلى ذلك، وهي ليست مجرد عناصر جذب وتشويق وإثارة للخيال فحسب بل-أيضا -موسوعة من المعلومات التاريخية و الجغرافية. فمتى أحسن استخدامها في التعليم للصغار، تكون ذات فائدة جلى في بابها، وتعطي ثمارها المرجوة بشكل قد يفوق غيرها من الأساليب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق